نصر حامد أبو زيد

205

الاتجاه العقلي في التفسير

الفعل « علم » قد يعدّى إلى مفعول واحد فلذلك جاز أن يعدّى الفعل « يرى » بمعنى « علم » إلى مفعول واحد حسب معناه . فإن قيل إن الفعل « علم » في قوله تعالى تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ بمعنى « عرف » ولهذا عدي إلى مفعول واحد ، يلجأ المعتزلة إلى وسيلة ثالثة وهو أن « ترون » في الحديث بمعنى « تعرفون » ولذلك فأنت تعديته إلى مفعول واحد صحيحة . وتأويل « الرؤية » في الحديث بمعنى « العلم » أو « المعرفة » يتلقفه الزمخشري وهو بصدد تفسير قوله تعالى رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ مستشهدا به على أن النظر في الآية بمعنى المعرفة ، كأن الحديث قد سلم للمعتزلة تماما على هذا التأويل . يقول الزمخشري في تفسير الآية « أنظر إليك » أعرفك معرفة اضطرار كأني انظر إليك كما جاء في الحديث سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر بمعنى ستعرفونه معرفة جلية هي في الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى » 209 . ( 3 ) يتصدّى المعتزلة بعد ذلك للآيات التي استشهد بها الخصوم على صحة ما ذهبوا إليه من جواز الرؤية على اللّه جل وعز . وأول هذه الآيات قوله تعالى في سورة القيامة / 22 - 23 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ 210 حيث قالوا : « إنه جل وعز دلّ بذلك على أنه يصحّ أن يرى لأن النظر إذا علق بالوجه لم يحتمل إلّا الرؤية . . . والنظر إذا عدي بإلى لم يحتمل إلّا الرؤية ولم يحتمل الانتظار ، لأنه لا يقال في زيد أنه ناظر إلى فلان ويراد به الانتظار ، وإنما يقال هو منتظر فلانا . . . على أنّا إذا قسمنا النظر خرج من القسمة أن المراد بالآية الرؤية على ما نقوله ، وذلك أن النظر يحتمل وجوها : منها الفكر ، ومنها التعطف والرحمة ، ومنها الانتظار ، ومنها الرؤية . وقد علمنا أنه لا يجوز أن يكون الفكر والاعتبار مرادا بالآية ، لأنه تعالى ليس هو ممن يفكر فيه ، ويعتبر به ، وإنما يفكر في الحوادث ، ويعتبر بها ، ليتوصل بالفكر فيها إلى معرفة غيرها ، ولأن النظر بمعنى الفكر لا يعدّى بإلى . ألا ترى أن القائل إنما يقول نظرت في الشيء ، بمعنى الفكر ، ولا يقول نظرت إليه . ولا يجوز أن يراد الانتظار لوجوه : منها أنه علق بالوجه ، والنظر إذا علق بالوجه لم يحتمل الانتظار كما أن الكتابة إذا علقت باليد لم تحتمل إلّا الكتابة المخصوصة ، وكذلك كل شيء وصل إليه بالآلة متى علق بالآلة لم يحتمل سواه . ومنها أن النظر بمعنى الانتظار لا يعدّى بإلى على ما بيناه . ومنها أن الرؤية واردة في أهل الجنة ولا يجوز عليهم الانتظار ، لأن الانتظار يوجب الحسرة والغم ، وقد ضرب أهل اللغة المثل به حتى قالوا : « إن الانتظار يورث الصغار » وذكروه في الأمثال